الكتابة التاريخية عند الدكتور حسن الحكيم (الاستشراق والمستشرقون انموذجاً)
Ali Taher
يونيو 23, 2019
اخبار, الفعاليات العلمية, معرض الصور, مقالات
1,190 زيارة
تبلورت نظرة الغرب الى الشرق عبر مراحل زمنية طويلة تعددت فيها رؤى المستشرقين والمفكرين والباحثين والسياسيين الغربيين تبعاً للخلفيات والمداخل المنهجية والدينية والفكرية والسياسية لكل رؤية، وعلى الرغم من تعدد هذه الرؤى الا انها تتفق غالباً على جملة من المبادئ التي تألفت وتكاملت بالتدريج حتى باتت تمثل وعي الغرب بالاخر وهو جزء من وعي الغرب بذاته، في اثر ذلك كان الاستشراق وهو : (واقع معرفي مارسته اوربا على الشرق حتى قبل ظهور كلمة مستشرق لاول مرة بالانجليزية في 1779م ثم بالفرنسية في 1799م وقبل تبني الاكاديمية الفرنسية لكلمة استشراق في 1838م)([1]) .
فالمستشرق حسب تعريف اولي متداول وهو : (العالم المتخصص في معرفة الشرق ولغاته وآدابه)([2]) ويعني هذا ان الاستشراق هو (بالذات هذه المعرفة وقد تراكمت وترسخت في تقليد وانتظمت في نسق له مقدمات ونتائج ويعمل بتقنيات ومناهج مخصوصة).
لقد انجز المستشرقون من الكتب والابحاث والدراسات تناولوا فيها الدين الاسلامي كعقيدة وتشريع كما تناولوا التاريخ العربي الاسلامي واللغة العربية وآدابها وعلوم الحضارة الاسلامية، (وقد يكون من الانصاف الاعتراف بالفضل لكل مستشرق بالعمل الذي ينفع ولكن ذلك لا يخلية من تبعة للانكار والاساءة وأثارة الشبهة حول ما يختلف فيه مع الاسلام من وجهة نظره ، ونحن نحترم وجهة نظر الاخرين ولا نطالبهم بان يؤمنوا بالاسلام ولكنا نكره ان يجرحوه وينكروا الوحي ويرموا نبيه بانه واضع القرآن او شاء لهم الهوى من تهم وشبهات)([3]). أي اننا لا نستطيع ان ننكر فضل هؤلاء الناس فيما قاموا به من جهد جبار وما ادوا من خدمات في محيط البحث العلمي ونشرهم الكثير من امهات الكتب والتي كانت تعد مفقودة وكان لا يعرف عنها المشتغلون الا الاسم، فنقبوا عنها في مظانها او في الحصول على اصولها المخطوطة غير باخلين بدفع الثمن لاصحاب هذه الاصول.
وهنا اذكر جملة مشهورة قالها غاندي: (اريد ان افتح نوافذ بلادي لتهب علي رياح البلاد المجاورة، على ان لا تقتلعني من ارضي) وكان يقصد فتح ابواب حضارة بلاده الفكرية على جميع ثقافات الامم لتتمازج وتأتي بالجديد، يأخذ منها ويعطيها ثمار الحضارة الفكرية والعلمية.
البحث:
قال احد النقاد العرب في الثمانينات من القرن الماضي عندما اجاب عن سؤال يتعلق بما اسهم به العرب والمسلمون في تاريخ الحضارة الانسانية خلال القرن العشرين فقال: ان على العرب والمسلمين ان يفخروا بما قدمه اثنان من المؤرخين العراقيين لحركة كتابة التاريخ في العالم هما عبد العزيز الدوري وصالح احمد العلي ([4]).
ومعنى هذا ان العراق منذ ان ظهر كيانه السياسي بعد الحرب العالمية الاولى اهتم بالتاريخ وتدوينه وتفسيره ولم يقتصر المؤرخون العراقيون على ذلك فحسب بل انهم نوعوا تآليفهم بدرجة كبيرة فكان لهم تواريخ الامم وتواريخ للاسر الحاكمة وتواريخ للمدن وتواريخ اخرى تناولت مواضيع حضارية مختلفة، منها الاستشراق والمستشرقون، فيعد الاستشراق وما يحمله من مناهج في تقويم النظرة الى الاشياء او تخطئتها ذا اهمية خطيرة اذ يدرس الاسلام وقضاياه من وجهات نظر متعددة وبمناهج مختلفة لا تملك الا ان تقرر نتائج واحكاماً متباينة لموضوع واحد، فتصدى لهذه كثير من المؤرخين العرب والعراقيين في كتاباتهم عن الاستشراق والمستشرقين، والاستاذ الدكتور حسن الحكيم احد الذين درسوا على يدي الدوري والعلي وقد اجتمعت لديه مادة للدراسة حول ما كتبه عن الاستشراق وردوده على المستشرقين الذين كتبوا عن الاسلام والحضارة العربية، فرجعت الى كتاباته في المجلات والصحف في موضوع الاستشراق والمستشرقين محاولا الوصول الى فكر الدكتور الحكيم، والدكتور حسن الحكيم استاذ فاضل وعلم من اعلام المدرسة التاريخية العراقية الحديثة وقد اثرى المكتبة التاريخية العربية بالعديد من المؤلفات والابحاث والدراسات في ميدان التاريخ والحضارة العربية الاسلامية وتاريخ مدينته النجف الاشرف، اذ اصبح الدكتور الحكيم مرجعاً من مراجع التاريخ وثقة من ثقات البحث وواحداً من الذين بدأوا بوضع الاسس لمدرسة تاريخية عراقية تستند على المنهج العلمي، هكذا سعى المؤرخون العراقيون الرواد منهم وتلاميذهم وهم يعملون من اجل ايجاد امرين اثنين مهمين:
اولهما: تطوير ادوات البحث التاريخي واساليبه.
ثانيهما: تطوير المعرفة التاريخية ذاتها.
كتابات الدكتور الحكيم عن الاستشراق والمستشرقين:
في المؤتمر العلمي الاول الذي اقامته كلية الفقه في النجف الاشرف عام 1986م تحت شعار (المستشرقون وموقفهم من التراث العربي الاسلامي) قدم الدكتور الحكيم بحثاً عنوانه: (المستشرقون ودراساتهم للسيرة النبوية) تحدث فيه عن المستشرقين الذين كتبوا عن السيرة النبوية الشريفة من بلدان مختلفة مقسماً اياها على قسمين: دراسات محايدة ودراسات معادية، فدرس الدكتور الحكيم ما قاله المستشرقون من القسمين عن ظاهرة الوحي فقال: (يكاد يكون شبه اجماع على ان انفعالات الرسول (ص) عن نزول الوحي عليه ما هي الا نوع من انواع الصرع كان مصاباً به قبل النبوة)([5])، ثم يرد على اجماع المستشرقين هذا بقوله: (لقد تعسف بعض المستشرقين في وصف ظاهرة الوحي تعسفاً ابعدهم عن الموضوعية والمنهج العلمي دون الرجوع الى مصادر السيرة والتاريخ الاسلامي)([6]). وفي مقالة عنوانها (ماذا كتب المستشرقون الروس عن السيرة النبوية)([7]) قال الدكتور الحكيم : (وياتي كتاب (حكم النبي محمد) للكاتب الروسي تولستوي (1828-1910م) في مقدمة الدراسات الاستشراقية الروسية وجاء تأليفه بعد حملة ظالمة شنت على الاسلام وعلى شخصية الرسول الكريم (ص) فيقول الاستاذ عبد الحليم محمود في كتابه (اوربا والاسلام): انه كتب رأيه في هذا الدين الذي اعجب به وتحدث عن رسوله الذي نال اكباره وكان جزاؤه على ذلك أي على كلمة الحق التي يدين لها ان حرمه البابا من رحمة الله – وكان المستشرق تولستوي قد عد النبي الكريم (ص) من عظماء الرجال المصلحين الذين خدموا المجتمع الانساني خدمة جليلة، ويكفيه فخراً انه هدى امة برمتها الى نور الحق وجعلها تجنح الى السكينة والسلام، وتؤثر عيشة الزهد ومنعها من سفك الدماء وتقديم الضحايا البشرية وفتح لها طريق الرقي والمدنية وهذا عمل عظيم لا يقوم به الا شخص اوتي قوة ورجل مثل هذا جدير بالاحترام)([8]). وفي المقالة نفسها يعرض لنا الدكتور الحكيم صورة اخرى لمستشرق روسي له آراء في القرآن الكريم وبالوحي اذ يقول: (ولدينا تحفظات على المستشرق الروسي كراتشوفسكي في كتابه تاريخ الادب الجغرافي العربي وبخاصة بعض آرائه في القرآن الكريم كقوله: ان القرآن هو جماع تلك المعارف التي حصل عليها محمد عن طريق السماع، وهي تمثل نموذجاً عاماً لمستوى الثقافة العام في هذا المجال، ومن الثابت ان هذا المستشرق قد شكك بالوحي واعتقد ببشرية القرآن انما اراد ان يقول انه حصيلة ما كان يسمعه الرسول الكريم (ص) من هذا وذاك سواء من العرب في الجزيرة ام من خارجها، وكان المستشرقون الروس امثال كراتشوفسكي وبلاييف وكليموفيج وغيرهم يذهبون الى مثل هذه التخرصات)([9]). ويضيف الدكتور الحكيم في أيضاً: (فقد كان الاجدر بالمستشرقين الروس وغيرهم من الاوربيين والامريكان دراسة اللغة العربية دراسة مستفيضة وذلك للوقوف على مفرداتها بدقة دون الرجوع الى الكتب المترجمة بلغاتهم)([10]).
أي ان الدكتور الحكيم يؤكد على ان ترجماتهم لا تؤدي الى المعنى الحقيقي للنصوص ولاسيما القرآن الكريم الذي فسره كثير من المفسرين من ذوي الاجتهادات المختلفة. اما كون المستشرقين – اقواماً من غير العرب- لا يفقهون اللغة العربية ولا يقدرون على تذوق آدابها ففيه جانب من الصواب واعترف نولدكه بذلك ([11])، لكن هذا غمطاً لحق من توسعوا في معرفة اللغة العربية وتذوق آدابها وصارت عندهم ملكة ممتازة في متابعة الشعر العربي والشعر الجاهلي مثلا متابعة نقدية لغوية ادبية دقيقة.
وبذلك يضع الدكتور الحكيم هؤلاء المستشرقين ضمن الدراسات المعادية للاسلام ولسيرة ولشخصية النبي محمد (ص) ايضاً.
وفي مقالة اخرى وقف بها مع المستشرق البريطاني هاملتون جب استطاع الدكتور الحكيم ان يسلط الضوء على هذا المستشرق الانجليزي الذي انصبت اهتماماته على الادب العربي والتاريخ الإسلامي فيقول عنه: (يتضح منهج المستشرق جب في الادب والتاريخ وهذا ما اشار له الاستاذ عباس محمود العقاد في كتابه (ما يقال عن الإسلام) قوله: ان المؤرخ هاملتون جب قد اتسم بين زملائه المستشرقين بسمة الاتزان وتقدير التبعة واجتناب المساس بشعور فيما يبحثه من المسائل التي تختلف فيه الآراء وتمتزج بالعقائد الدينية)([12])، ويعقب الدكتور الحكيم في المقالة نفسها فيقول: (ان ما ذهب اليه الاستاذ العقاد سليماً ولكن ليس مطلقاً فيما لو وقفنا على كتاب (دراسات في حضارة الإسلام) الذي ترجمه كل من الدكتور احسان عباس والدكتور محمد نجم والدكتور محمد زايد لاتضحت حقيقة ما ذهبنا إليه)([13]).
ويضيف: (ولكن يبقى المؤرخ جب متميزاً على غيره من المستشرقين وبخاصة الانكليز منهم فقد كانت اسهاماته في تعميق النظرة الغربية الى المؤسسات الاسلامية ذات مساحة واسعة)([14]) فيؤكد بذلك الدكتور الحكيم بأن دراسات هذا المستشرق كانت محايدة وايجابية لتراثنا العربي الإسلامي.
وفي دراسة قيمة للدكتور صباح عباس عنوز عن كتابات الدكتور حسن الحكيم عن الاستشراق والمستشرقين قال فيها: (وبذلك استنبط الباحث الحكيم من افواههم كراهيتهم للاسلام فاستطاع ان يطوع ردودهم لتناقض آراء جماعتهم)([15])، واني اتفق مع الدكتور صباح عنوز على ذلك، اضافة الى ان سعة اطلاع الدكتور الحكيم وفهمه لما يقوله المستشرقون جعلت ردوده مبنية على البراهين العقلية: (فمثلاً يوجد نفر من المستشرقين من يردد ان الإسلام كله بقرآنه وحديثه وحضارته مستمد من اليهودية والنصرانية وان القرآن الكريم هو صنع محمد في محاولة لازالة صفة الالوهية عنه وصفة الرسالة السماوية عن النبي محمد (ص))([16]). فارادوا بذلك ان النبي (ص) قد استقى قرآنه من الاحبار والرهبان وانه تلقى تعاليمه عنهم وعن كتبهم المقدسة ([17]).
وعن المستشرق فلهاوزن (1844 – 1918م ) كتب الدكتور الحكيم مقالة عنوانها (موقف المستشرق فلهاوزن من مرويات ابي مخنف) كشف بها التناقض الذي حصل في آراء هذا المستشرق فيقول الدكتور الحكيم: (تعرض المستشرق (فلهاوزن) في كتابه – تاريخ الدولة العربية وسقوطها- للاخباري الكوفي أبي مختف لوط بن يحيى المتوفى عام 157هـ/774م، وقد اشار الى اهتماماته بشؤون العراق وبمدينة الكوفة على وجه الخصوص وفيما عداهما: فليس عنده علم صحيح اختص به ونظر الى ان الكوفة والعراق كانتا مقر الحزب المعارض لحكومة الدولة، فان ابا مختف يتكلم خصوصاً عن ذلك) ولكن قائمة مؤلفات ابي مخنف قد اختارت هذا التحديد الجغرافي الذي ذهب إليه المستشرق فلهاوزن فان كتبه (الردة وفتوح الشام والشورى ومقتل عثمان) وغيرها التي تناولت حكم معاوية بن ابي سفيان وولده يزيد وحكم عبد الله بن الزبير ومروان بن الحكم وكتبه عن فتوح خراسان وحركات الخوارج تبعد الاخباري ابو مختف عن جغرافية العراق، وان ما ذكره فلهاوزن في هذا الجانب لا يتفق مع رأيه)([18]).
وينقل الدكتور الحكيم وجهة المستشرق فلهاوزن من نقد لاذع الى بعض الرواة بقوله: (نحن امامنا طائفة كثيرة جداً من اسماء رواة نجهلهم جهلا تاماً، وهؤلاء الرواة الذين شهدوا الحوادث لا يدركون ما يرونه ادراكاً كلياً شاملاً، بل هم يذكرون اقل الحوادث شأناً ولا يغفلون عند وصف الحادثة ذكر الاسماء المتصلة بها وهم يجعلون الاشخاص في افعالهم واقوالهم في المحل الاول)([19]). يستدرك الدكتور الحكيم على هذا القول: ولم تكن هذه مثلبة لابي مخنف وانما كان رواة عصره يسيرون وفق هذا الخط ([20]).
اما المستشرق الفرنسي لويس ماسينيون (1883-1962) فقد كتب عنه الدكتور الحكيم مقالة عنوانها (المستشرق الفرنسي لويس ماسينيون وكتابه “خطط الكوفة”) وضح فيها الجهد الكبير الذي بذله هذا المستشرق المتخصص بالخطط والبلدان ودراسة الآثار في العراق والوطن العربي، ويصفه بانه مولع بدراسة الاطلال والوقوف على الآثار المندرسة والانقاض البالية فيتحدث عنه قائلا: (قبيل تأليفه “خطط الكوفة” في عام 1908م تنقل من الكوفة وصحراء النجف، وكررها عام 1934م وقد رافقه الشيخ عطية بن مارد ويبدو انه كان يستجمع مادته في هاتين الزيارتين)([21]).
ويضيف الدكتور الحكيم قائلا: (وكانت مقدمة “خطط الكوفة” تشير الى الشواخص القائمة لقصر الامارة،وبيت الامام علي (ع) ومرقد ميثم التمار ومرقد السيد ابراهيم الطباطبائي الحسني، وسكة الترامواي بين النجف والكوفة، وكري سعده واعطى لبعض شواخص المنطقة مداً تاريخيا وً ارتباطاً بدولة المناذرة في الحيرة وقد قال عنها: هي من ثغور البادية وتحدث عن قصري الخورنق والسدير)([22]).. ويتوقف الدكتور الحكيم عند هذه النطقة فيعقب قائلا: (ولكن وقع في خلط بين قصري السدير والاخيضر، اذ اعتقد ان قصر السدير هو الاخيضر في حين ان النصوص التاريخية والشعر العربي والشواخص الموجودة تؤكد ان الخورنق والسدير يقعان على بحر النجف)([23])، كما يوجه الدكتور الحكيم الثناء والتقدير لهذا المستشرق حينما حدد الاسواق بقوله: (انها تمتد من القصر والجامع الى دار الوليد بن عقبة من جهة من جهة اخرى، وان منازل ثقيف واشجع من الجانب الاخر)([24]). (وان هذا التحديد يستحق الثناء والتقدير لانه قد استوحى الدقة والبعد التأريخي)([25]).
ثم ينتهي الدكتور الحكيم في مقالته هذه الى القول:
(ويبقى كتاب خطط الكوفة للمستشرق الفرنسي ماسينيون يحتل الصدارة من بين كتب الخطط والبلدان، ويحتاج الى دراسة منهجية وتحليلية من لدن طلبة الدراسات العليا)([26]).
وفي مقالة اخرى للدكتور الحكيم عنوانها (الصولي والاستشراق في ميزان النقد التاريخي) وضح فيها الدكتور الحكيم ما قاله المستشرق كراتشكوفسكي عن الصولي في كتاباته الادبية والتاريخية : (ومن خلال سطور دراسة كراتشكوفسكي للصولي تبرز ملامح النقد التاريخي لكتاباته بقوله: انه برع في لعبة الشطرنج بفضل اتصاله الوثيق ببلاط الخليفة العباسي المكتفي (289-295هـ) ويمكن القول ان هذه العلاقة الوثيقة بالسلطة العباسية ربما جعلت الصولي يقف على الوثائق الرسمية في البلاط العباسي)([27]) ويضيف الدكتور الحكيم موضحاً رأيه في هذه القضية فيقول: (ولكننا في الوقت نفسه نتفق مع المستشرق كراتشكوفسكي من ان الصولي لايمكن ان يعد مؤرخاً ومن اصحاب المواهب البارزة، وانما كان مصنفاً جم النشاط لا يستطيع في جميع الاحوال ان يميز كتابه من كتب غيره، على ان ذلك لا يمس ما كان له من اثر في عالم التأليف)([28]).
اما المستشرق كارل بروكلمان (ت 1956 ) فقد كتب عن الصولي وكتابه (الاوراق في اخبار آل العباس واشعارهم) فيعرض الدكتور الحكيم ما كتبه المستشرق بروكلمان عن كتاب الصولي هذا : (وسمي بذلك لانه يعرض فيه اخبار كل خليفة بالتفصيل في اوراق كثيرة خلافاً لمحمد بن دواد الجراح المتوفى (296هـ/908م) الذي جعل ورقة واحدة لكل واحد)([29]).
ويضيف الدكتور الحكيم: وفي كتابه الرائع اشار بروكلمان الى مواضع النقد العلمي لكتاب الاوراق للصولي بقوله: ( انه يسجل في مختلف السنين اسماء الموظفين الذين يتغيرون على وظائف القصر والعراق بوجه عام دون الاهتمام بموظفي بقية الاقاليم)([30]) .
ويصل بعد ذلك الدكتور الحكيم الى (ان المستشرق كارل بروكلمان وما ذهب إليه يتفق تماماً مع مضامين كتاب “الاوراق” اذ ان الصلة بين الصولي والخلفاء “المكتفي والمقتدر والراضي” كانت وثيقة ومتينة)([31]).
ويضيف الدكتور الحكيم في مقالته موضحاً ما قاله المستشرق البريطاني هاملتون جب عن كتاب الاوراق للصولي في كتابه (دراسات في حضارة الإسلام) قائلا: (بانه مزيج غريب من السير السياسية والادبية وهذا لاشك ناتج من وجود الصولي في البلاط العباسي ووقوفه على الوثائق الرسمية)([32]).
كما قال مستشرقون اخرون عن الصولي وكتابه (الاوراق) ويخلص الدكتور الحكيم الى رأي عن هذه القضية: (وان النقد العلمي الموجه لابي بكر الصولي من المستشرقين وغيرهم من المؤرخين ناتج من دراسة واعية لمؤلفات الصولي)([33]).
اما ما تحدث به المستشرقون عن الامام علي (ع) وفروسيته فكان عنوان مقالة اخرى للدكتور الحكيم (فروسية الامام علي في كتابات المستشرقين) يقول فيها: (وكانت كتابات المستشرقين تتأرجح بين التحليلي العلمي الدقيق وبين السطحية وعدم التعمق في فصائل التاريخ الإسلامي، منها مبيت الامام علي (ع) في فراش النبي الكريم (ص) في ليلة الهجرة اذ ان المصادر الاسلامية اجمعت على ذلك)([34]).
ويضيف الدكتور الحكيم قائلا: (وفي هذا الموقف العلوي الفريد نزلت الاية الكريمة {ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله والله رؤوف بالعباد}([35])، ومن الغرابة ان المستشرق الروماني (كونستانس جيورجيو) قال: ان الآية الكريمة نزلت في الصحابي صهيب الرومي ولم يعط اشارة للحادثة التي انزلت فيها هذه الآية وبذلك خالف هذا المستشرق المذكور اجماع الروايات والنصوص في حين ان المستشرق الامريكي (ارفنج) في كتابه “حياة محمد” اكد نزول الآية الكريمة في الامام علي عليه السلام ليلة الهجرة)([36]). ونقل الدكتور الحكيم ما قاله المستشرق البريطاني (بودلي) عن السيرة النبوية الشريفة فتناول بطولة الامام علي وفروسيته بقوله: (كان علي جندياً باسلاً وواضع خطط حربية وعبقرياً)([37]).
اما المستشرق (جان بروا) فقد تحدث عنه الدكتور الحكيم قائلاً: وقد اصاب المستشرق (جان بروا) في تحليله للحادثة اذ قال: (اقترب البطل علي وملء ثوبه العزيمة ومعجزة النبي وبشرى الفتح واقترب بهديره وزئيريه وجنوده من خلفه والراية ترفرف في يديه راية النصر المؤكد والفتح المبين)([38]).
وذكر الدكتور الحكيم مجموعة اخرى من المستشرقين يذكرون الحادثة ويصفون الامام علي (ع) بانه بطل وشجاع ولكنه يقول : (علينا ان نأخذ دراساتهم بالحذر والحيطة لأن هناك من يكون موضوعياً في جانب ومنحازاً بعيداً عن العلمية في جانب آخر)([39]).
اما عن ظاهرة تعدد الزوجات واطلاق بعض المستشرقين على القرآن الكريم (كتاب محمد) وعلى الإسلام (الديانة المحمدية) و(المذهب المحمدي) فقد رد الدكتور الحكيم ردوداً موضوعية فيها فصل بين العواطف وبين الحكم على اساليبهم موضحاً ذلك في مقالة له عنوانها: (الاستشراق والنموذج الغربي) يقول فيها: (ومن اجل استيعاب المستشرق للشرق يجب ان يكون متجرداً من الانحياز الديني والتبعية للاجنبي وان يكون ملماً باللغة العربية والدين الإسلامي وعليه ان يقف على ايجابيات الشرق وسلبياته بأمانة ودقة)([40]).
([1]) الاستشراق في افق انسداده: د. سالم حميش، ص15.
([2]) نفسه: ص16.
([3]) حركة اليقظة الاسلامية: انور الجندي، دار الاعتصام ، القاهرة، 1979، ص225.
([4]) مجلة عالم الفكر التونسية: مقابلة مع المؤرخ الناقد الدكتور هشام جعيط، ص46.
([5]) المستشرقون ودراساتهم للسيرة النبوية: د. حسن الحكيم، ص145.
([6]) نفسه: ص146.
([7]) صحيفة الزمان: العدد 2250 في 1/11/2005.
([8]) نفسه:
([9]) نفسه:
([10]) نفسه:
([11]) المستشرقون: علي حسين الخربوطلي، مصر، 1966، ص65.
([12]) صحيفة الزمان: العدد 2280 في 13/12/2005
([13]) نفسه.
([14]) نفسه.
([15]) رصد وتأمل في قراءات استشراقية: د. صباح عنوز، ص4.
([16]) المستشرقون ودراساتهم للسيرة النبوية: ص152.
([17]) نفسه: ص153.
([18]) صحيفة الزمان: العدد2311 في / 13/1/2006 .
([19]) نفسه.
([20]) نفسه.
([21]) صحيفة الزمان: العدد 2293 في 26/12/2005.
([22]) نفسه.
([23]) نفسه.
([24]) نفسه.
([25]) نفسه.
([26]) نفسه.
([27]) صحيفة الزمان: العدد 2226 في 4/10/2005.
([28]) نفسه.
([29]) نفسه:
([30]) نفسه:
([31]) نفسه:
([32]) نفسه:
([33]) نفسه:
([34]) صحيفة الزمان: العدد 2303 في 8/1/2006.
([35]) نفسه. البقرة/ الآية 207.
([36]) نفسه:
([37]) نفسه:
([38]) نفسه:
([39]) نفسه:
([40]) الاستشراق والنموذج الغربي: د. حسن الحكيم، ص2.
Related