الرئيسية / اخبار / اللغة العربية وإعراب القرآن للشيخ الكرباسي (رحمه الله) 1926 – 2016

اللغة العربية وإعراب القرآن للشيخ الكرباسي (رحمه الله) 1926 – 2016

الأستاذ الدكتور باقر الكرباسي
منذ القدم والانسان في صراع دائم مع الخلود والتغيير الذي يتجلى في محاولات التسجيل، تسجيل التاريخ والحياة والعلوم والمعرفة بما يسهم في تخليده ووجوده ويسهم في حضوره الإنساني، والأمة العربية أمة بيان والعمل فيها مقترن بالتعبير والقول، فللغة في حياتها شان كبير وقيمة اعظم من قيمتها في حياة اية أمة من الأمم، واللغات مرأة الشعوب فهي التي تعكس درجة حضارتهم وتطورهم ونموهم وهي تدل على هويتهم وذاتهم وبها عزهم ومجدهم، والأمة يتحدد كيانها وتصبح أمة مستقلة عن غيرها بلغتها وتاريخها وتراثها ولذلك فقد عني كل قوم بلغتهم الأم عناية كبيرة، واللغة ظاهرة من أهم الظواهر الاجتماعية ووسيلة من انجع وسائل الرقي الحضاري فهي الأداة الطيعة لأفراد المجتمع للافصاح عما في أذهانهم، ففي مفرداتها سجل للأخلاق أهلها وعاداتهم ونشاطهم الأدبي والفكري، واللغة العربية تمسنا جميعا إذ لا يمكن بناء مجتمع عربي أصيل او القيام بتنمية بشرية جدية من دون أن تلعب اللغة العربية دورا محوريا في جميع مناحي حياتنا ومجالاتها، انها لغة حية وهي أداة تفكيرنا والوسيلة التي نعرض بها الوان احاسيسنا ومشاعرنا وهي اعز مانملك وما ندخر، إذ ان لهذه اللغة المشرفة بالقرآن الكريم سحرا يستاثر القلوب ويمتلك الاسماع وانها لكذلك في كل العصور والازمان، ومن اجل ذلك كانت مأوى افئدة الدارسين، وفي النجف الاشرف المدينة التي عاش فيها الشيخ محمد جعفر الكرباسي (رحمه الله) كان ابناؤها يتحدثون بعلوم الفقه والمنطق والفلسفة والنحو والبلاغة والشعر والسياسة، كان الجو في هذه المدينة يزخر بالعلم والدرس الحوزوي، الناس فيها يفتحون أعينهم صباحا ويذهبون إلى اعمالهم كبقية المدن الأخرى ولكن النجف تنماز على المدن الأخرى بأن طلبة للعلم يرتدون العمة يتحركون مسرعين إلى درسهم،يتنقلون من مسجد إلى آخر ومن حلقة إلى أخرى، ينهلون من شيوخهم ماينلهون من العلوم، ازقتها، شوارعها، مكتباتها الغنية بالكتب و المخطوطات كلها كان يشار لها بالبنان، تخرج فيها مئات العلماء في العلوم كافة ومازالت تعطي، في مثل هذا الجو المفعم بالعلم والدرس والمعرفة ولد الشيخ محمد جعفر بن الشيخ محمد ابراهيم الكرباسي سنة ١٩٢٧م فوجد أمامه شيخا يتوسط كتبا يقرأ بها ويكتب مرة ويدرس مرة أخرى، فما كان منه إلا أن يحذو حذو شيخه ووالده المتبحر المجتهد الشيخ محمد ابراهيم الكرباسي (ت ١٩٨٦م) قدس سره الشريف، فلبس العمة وأصبح طالب علم يتنقل من شيخ إلى آخر ومن حلقة إلى أخرى ياخذ درسا في النحو عند خاله المرحوم الشيخ عبد الله الشرقي (ت ١٩٩٨) والذي كان له الفضل الكبير في توجه الشيخ الكرباسي إلى اللغة العربية دون غيرها من العلوم، وكنت اسمع يردد معه :
فلاخير في قوم تموت لغاتهم
ولاروح في قوم بدون لغات
وبما ان الشيخ الفقيد درس على شيوخ واساتيذ الحوزة العلمية في ذلك الوقت متدرجا حتى وصوله إلى البحث الخارج، لكن شغفه باللغة العربية ونحوها جعله وفيا لها ومحافظ عليها من اللحن والخطأ، فكان يعدها من أهم مظاهر الإرث الحضاري والتراكم الإبداعي والارتقاء الفكري في تاريخ البشرية سواء في دقة انظمتها التعبيرية او في صياغة ابنيها ام في تنوع دلالات تراكيبها ام في قدرتها على التوليد والنماء والاتساع في المعاني، وكان يؤكد (رحمه الله) دائما على عراقية لغتنا العربية وانها تستحق كل الاهتمام من جميع المسلمين عربا وغير عرب ولابد من تعلمها بشكلها الصحيح وحماتها من الأخطار وهومانصبو اليه وندعو له، وكان يؤكد الشيخ الكرباسي على أن فهم القرآن الكريم لايتحقق الا بالتمكن من اللغة العربية وقواعدها اصلا ونمطا ومايرتبط بها ومن اهم هذه القواعد هو النحو، من هذا المنطلق عمل شيخنا الراحل خمس عشرة سنة على إعراب القرآن الكريم إعراب مفصلا كاملا يفهمه الجميع المتخصص والطالب، وهذه هي مزية إعراب إذ وضع رأيه الأعرابي والذي خالف فيه احيانا علماء العربية الأوائل واعده السفر الخالد له، وتوالت مؤلفاته اللغوية والنحوية وهو ماض على درسه الحوزوي ولمدة ستة عقود حفلت به اللغة العربية وحفل بها.
رحل الشيخ الكرباسي وبرحيله فقدت العربية رائدا من روادها آلافذاذ، رحل الشيخ الكرباسي وفي قلبه حسرة لما ألت عليه لغة العرب، ماذا أقول في انسان احب الناس جميعا واحبوه، حزنت نفسي عليك ولم اك وحدي حزينا، الجميع شاركوني بالحزن، لازال صوتك يهزني من أعماق نفسي ويرن في اذني لأنك تكسب الأشياء أشياءها، تربوي ومؤلف َمحقق ولغوي ونحوي وقبل كل ذلك إنسانا مؤمنا حريصا محبا للخير مبعدا للضغينة، قلمك لاينفذ مداده تحب الرفعة للجميع.

شاهد أيضاً

ما تبقى من ذاكرة النجف – الشيخ محمد الخاقاني مثالاً –

الأستاذ الدكتور باقر الكرباسي الشيخ محمد الشيخ سلمان الخاقاني ابن مدينة معطاء مدينة الفقه والشعر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.