الرئيسية / اخبار / )العصبية والحكمة _قراءة في فلسفة التاريخ عند ابن خلدون) للباحث والناقد الدكتور سعيد الغانمي

)العصبية والحكمة _قراءة في فلسفة التاريخ عند ابن خلدون) للباحث والناقد الدكتور سعيد الغانمي

الأستاذ الدكتور باقر الكرباسي
عبد الرحمن بن خلدون (٧٣٢_٨٠٨ هج) علامة ورحالة وروح عصر، وعبقرية عربية، المؤسس الاول لعلم الاجتماع ومجدد علم التاريخ ورائد لفن الترجمة الذاتية وعالم راسخ في الحديث ومبدع في دراسات التربية، وله اسلوب متميز في الكتابة العربية، له مكانة مرموقة في سجل التاريخ بعلمه وأفكاره إذ بقيت ذكراه حية لدى الاجيال، ومكانته محفوظة في سجل التراث الفكري العربي بما سجله من آراء ومفاهيم تاريخية ضمنها مقدمته، فقد أتى بشيء جديد لم يسبقه اليه الكتاب السابقون، ولم يحسن تقليده الكتاب المتأخرون وهذا ماتنبه اليه ابن خلدون وأشار له بهذه العبارة :(وشرعت تأليف هذا الكتاب وانا مقيم بها _اي قلعة بني سلامة _وأكملت المقدمة منه على النحو الغريب الذي اهتديت اليه في تلك الخلوة، سألت فيها شابيب الكلام والمعاني على الفكر حتى امتخضت زبدتها وتالفت نتائجها) مجلة العربي د. سعيدوني ع٥٧٩ في ٢٠٠٧.
لقد كان ابن خلدون كاقرانه _ابن سينا وابن رشد وغيرهما _ابن عصره ولكنه غاص في علاقات هذا العصر بحثا عن العلة والداء متنقلا من السطح إلى الاعماق ومن الثانوي إلى الأساسي ومن العرضي إلى الجوهري، وكانت النتيجة _حسب د. جابر عصفور _انه وصل من تراكم الملاحظات والمعطيات إلى القوانين الأساسية التي تحكمها في كل مجال، فاكتشف فلسفة التاريخ الذي لايفارق جدل الصراع بين الاضداد، والعمران البشري الذي يقوم على القوانين التي ترد التكثر إلى وحدة هادفة إلى اكتشاف الثوابت وراء المتغيرات، هكذا جاوز ابن خلدون عصره بالغوص فيه وجاوزه زمنه إلى غيره من الازمنة مكتشفا من خرائط المعرفة الجديد ماجعله معاصرا لنا. (مجلة العربي ع ٥٨٢ في ٢٠٠٧ د. جابر عصفور.(
وفلسفة التاريخ مصطلح مازال الفكر الحديث رغم تقدمه عاجزا عن تقديم تحديد واضح وحاسم لهذا المفهوم، فإذا كان التاريخ دراسة في أحوال الانسان وحركته على الأرض، فإن كل مؤرخ يميل إلى تناول إحداث الماضي بما يملك من افكار فلسفية وايديولوجية، لذلك فمن الطبيعي ان يكون لهذه الأفكار اثرها في رؤيته التاريخية. (في فلسفة الحضارة الإسلامية، عفت الشرقاوي، ص١٦١(.
والقراءة التي أقدمها في هذه الحلقة هي لكتاب مهم عن ابن خلدون عنوانه (العصبية والحكمة _قراءة في فلسفة التاريخ عند ابن خلدون) للباحث والناقد الدكتور سعيد الغانمي، الصادر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر بطبعته الأولى في سنة ٢٠٠٦ ب (١٨٧ صفحة) من القطع المتوسط، والغانمي سعيد أديب كاتب وناقد ومحقق ومترجم، عراقي المولد، موصلي التعليم، وعالمي المنزع، طباعه محمودة، ومعانيه صائبة ومؤلفاته كثيرة ومعارفه غزيرة، نفذ إلى الأدب واللغة من باب التفلسف، ونفذ إلى التفلسف من باب الأدب، وله دراسات وتبصرات في موج مايسمى بمفاهيم النقد الحديث ومناهجه، يبدأ الغانمي بكتابه هذا عن ابن خلدون فيقول في التمهيد :(تشبه اللحظة التي عاشها ابن خلدون اللحظة المعاصرة التي يعيشها العرب من وجوه كثيرة، إذ تستعمل البداوة اليوم تحت مسميات عصرية لايخلو بعضها من عناوين أحزاب او مؤسسات مدنية، ولكنها تظل خاضعة لمنطق العصبية القبلية نفسها من حيث المحتوى، ومقابل عصر الموسوعات ينفجر العصر الاتصالي الحديث بما يهدد بأزمة هوية متنامية هي محط شكوى العرب الدائمة، وإذا كان عصر ابن خلدون قد شهد ماسماه عصر انقراض الخلافة، فإن عصرنا هو عصر انقراض المذهب الإنساني الذي لم يعرف منه العرب سوى تباشيره) ص٩، ويقول الغانمي أيضا :(هذا الكتاب محاولة قراءة في فكر ابن خلدون وعلاقة العصبية التي هي محور نظريته، بالحكمة المستقاة من التامل في معنى التاريخ وفلسفته) ص٩، في المقالة الأولى والتي أعطاها الغانمي عنوانا هو (عصر الهوية المازومة) يقول :(في القرنين السابع والثامن الهجريين انفجرت أزمة الهوية في العالم الإسلامي انفجارا لم يعرف المسلمون له مثيلا منذ عصر الفتوحات، كان العصر يغلي بحركات سياسية واجتماعية متدافعة وظواهر ثقافية وفكرية متلاطمة اقضت مضجع العالم الإسلامي وقلبت هويته، دول تختفي ودول تظهر، موجات بشرية تدفع غيرها لتحل محلها، مواقف سريعة متغيرة من الفكر والوجود حضاريا ودينيا وأخلاقيا، مؤسسات قديمة تنهار، وطرق اتصالات تنقطع، وأخلاق مستمرة تتهاوى، حين امعن ابن خلدون النظر في عصره معتزلا في قلعة بني سلامة احس بأنه يعيش عصرا جديدا) ص١١، وفي سياق الحديث عن هذا العصر وهويته المازومة يقول الدكتور الغانمي في عصر الموسوعات :(يرى الدكتور طه حسين ان ابن خلدون لم يستخرج سياسته الاجتماعية من العدم، بل كان من الضروري له الإلمام بعلوم مختلفة والوقوف على نظرات تاريخية جغرافية درست ووضعت على شكل دوائر معارف، ولقد اخذت تلك المعارف الواسعة تظهر في مصر في عصر ابن خلدون بالضبط، ويستشهد طه حسين بموسوعات النويري والعمري والقلقشندي، ليستخلص بعد ذلك ” من المحتمل جدا أن هذه الموسوعات كانت عونا لابن خلدون في توسيع فكرته الجوهرية ودعمها”) ص١٩، وفي ماقالته الثانية (شباب ابن خلدون السيرة الفلسفية) يقول الغانمي :(من اهم مزايا فكر ابن خلدون، انه قادر على نقل المفاهيم من حقل علمي إلى حقل اخر، وتشغيلها ضمن منظومة فكرية مختلفة عن سياقها الأول، سنرى فيما بعد كيف انتزع التمييز بين الخبر والانشاء مثلا ونقله من البلاغة إلى كتابة التاريخ، فاستخرج منه دلالة جديدة، وكيف نقل مفهوم الحقبة او الدور الروحي من السياق الميتافيزيقي عند الإسماعيلية والمتصوفة إلى مفهوم الجيل بمعناه الزمني الاجتماعي، وهكذا، وهذا النقل هو في حقيقته فتح نوافذ إبداعية بين الحقول الثقافية والعلوم المتنوعة من شأنه ان يقضي إلى استخلاص نتيجة جديدة معرفيا) ص٤٤، ومن ثم ينتقل الغانمي إلى موضوع اخر هو (مواقف فلسفية) يقول فيه :(في تضاعيف مقدمة ابن خلدون مواقف منهجية، تبناها في سياق شرحه لافكاره، وهي مواقف يتفق او يختلف بها مع بعض الفلاسفة والمنظرين الآخرين السابقين عليه) ص٥٥، وفي نهاية المقالة يقول الغانمي :(وعلى اية حال فإن جميع هذه الكتب تواصل خطأ منهجيا وعظيا، ربما كان شكله النهائي قد استقر مع مؤلفات ابي الحسن الماوردي (ت ٤٥٠ هج) ولاسيما كتابه (تسهيل النظر وتعجيل الظفر) في أخلاق الملك وسياسة الملك، وتشترك جميعا في إيمانها بإمكان إصلاح الأخلاق عن طريق الوعظ بصورة اطلاقية، دون الانتباه للمتغيرات الطرفية التي تعتمل في داخل المجتمع) ص٧١، وفي موضوع اخر عنوانه (نظرية المعرفة ومراتب العقل) يقول الغانمي :(في رأي ابن خلدون اننا نشهد في أنفسنا بالوجدان الصحيح وجود ثلاثة عوالم :اولا العالم الحسي الذي يشترك به الإنسان مع الحيوان في ادراكه، وثانيا :العالم النفسي الذي يعلم به الإنسان وجوده علما ضروريا، مع ان وجوده يتعالى على الحس، وثالثا :العالم الروحي، وهو عالم الأرواح والملائكة الذي نشعر بوجوده لوجود اثاره فينا، مع اختلاف طبيعته عن طبيعة وجودنا الحسي، تقابل هذه العوالم الثلاثة ثلاثة انواع من العقول بحيث يناسب كل عقل منها العالم الذي يريد ادراكه وهذه العقول هي :العقل التمييزي وهو العقل الذي يدرك به الإنسان العالم الحسي، والعقل التجريبي وهو الفكر الذي يفيد الاراء والآداب في معاملة أبناء جنسه وسياستهم، والعقل النظري الذي اكتفى ابن خلدون عند تعرضه للعقلين السابقين بالقول :انه الفكر الذي يفيد العلم او الظن بمطلوب وراء الحس، لايتعلق به عمل) ص٧٥_٧٦، وفي موضوع (العصبية والاجتماع البدوي) يتحدث الغانمي قائلا :(في طريقة رؤية ابن خلدون للأحداث والوقائع شيء لم يقله، لذلك بقي في دائرة السكوت عنه، فهو حين يتعرض لواقعة من الوقائع يتناول في البداية طريقة رؤية الآخرين لها ونمط تعليلهم اياها، لقد نقد ابن خلدون المؤرخين القدامى ووصف ضعف رواياتهم للأخبار، لأن الوقائع التاريخية (اخبار) اي أشياء ماضية لم يعد بالإمكان رؤيتها) ص١٢٩،
اما فلسفة التاريخ فهو تعبير لم يستعمل الا في القرن الثامن عشر الميلادي، وذلك خلال عصر الانوار بفرنسا، على يد فولتير، غير أن التفلسف في التاريخ بدا فعلا قبل ابتكار هذا التعبير بمدة طويلة، تقول عفت الشرقاوي :(وقد تطور مفهوم فلسفة التاريخ في الدراسات الحديثة فأصبح مصطلحا يشير إلى جانبين مختلفين من جوانب دراسة التاريخ، الجانب الأول :يجعلها دراسة للمناهج البحث، اي الطرق والاساليب المستعملة للتحقق من الوقائع التاريخية)، اما الجانب الثاني في اه هيغل في محاضرات في فلسفة التاريخ ج١ ص٣٠ : يتمثل في تقديم وجهة نظر من مسار التاريخ ككل، وهو مايطلق عليه الفلسفة التاملية للتاريخ، وهنا يسأل الغانمي، هل للتاريخ فلسفة؟ ويجيب : ماعلاقة التاريخ بالفلسفة عند ابن خلدون؟ سؤال لابد من اثارته، فإذا كانت حكمة (فلسفة) تنصرف دلالتها إلى (الميتافيزيقيا) الارسطية انتقدها ابن خلدون وبين بطلانها، فإن كلمة (حكمة) بقيت بمناى عن التلويث وحافطت على دلالة معرفة الظروف الاجتماعية واسبابها، حتى لو استخدمت بمعنى الفلسفة) ص١٥٦، ويضيف الغانمي بعد شرح مفصل لنظرة ابن خلدون للتاريخ :(هكذا أراد ابن خلدون للتاريخ ان يكون علما مستقلا بذاته، له موضوعه الخاص، مجردا من نوازع الأهواء الشخصية، والميول الايديولوجية، والمنافع المؤقتة العابرة، والاقناع الخطابي المؤثر في الجمهور، بل ان يتخصص التاريخ (بتقرير الحوادث) والعمل على كشف مابينها من اقران الشيء بسببه على اساس النقد البرئ، واكبر القواعد في منهج البحث التاريخي هي أن الحوادث يرتبط بعضها ببعض ارتباط العلة بالمعلول) ص١٥٦.
خرج ابن خلدون بنزعة عقلانية توجهت إلى تشخيص الواقع الاجتماعي التاريخي على تقاليد فلاسفة الفكر المثالي الميتافيزيقي في الإسلام من الكندي إلى ابن سينا إذ استطاع ان يؤسس علما جديدا هو علم الاجتماع باستقلال عن الفلسفة النظرية.
كتاب الدكتور سعيد الغانمي كتاب مهم عن رائد علم الاجتماع والمؤرخ الذي اختلف عليه الباحثون والمؤرخون والنقاد، شكرا وافرا للكبير الناقد الغانمي وهو يتحفنا بين الحين والآخر بدراسات جادة مفيدة نحن بحاجة ماسة لقراءتها.

شاهد أيضاً

رسالة ماجستير بعنوان ( اهل البيت في ديوان الصوري 339هـ – 419هـ دراسة موضوعية وفنية )

ستجري مناقشة رسالة الماجستير للطالبة ( مدثرة بتول محمد افضل محمد عنايات ) قسم اللغة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.