حديث في أدب الأطفال

أ.م.د باقر الكرباسي

الأطفال هم الحياة ، وهم زينتها وباعثو الأمل في كدرها وصانعو الفرح في بسمتها الرمادية الكالحة ،هم البسمة والربيع ،هم كما قال الشاعر العربي :


وانمّا أولادنا بيننا أكبادنا تمشي على الأرض
لو هبّت الريح على بعضهم لامتنعت عيني عن الغمضِ
هم نافذة الحاضر إلى المستقبل ،وإطلالة الواقع على الأمنيات ، نرى في عيونهم الجمال الصافي العذب ، ونقرأ في وجوههم أسفار الأيام الآتية ، في حركاتهم يتجول المجهول ، ومن تصرفاتهم البريئة العفوية يتألف كون وردي من العلاقات والسلوك والحضور ، وعن عالم الطفولة قال أحد الكتّاب : (ولا يخفى على أحد أنَّ عالم الطفولة يشد الإنسان إليه وفي الحين ذاته يلمس مدى الأهمية للعناية بهم ، أي أنّهم يحتاجون منّا جميعاً إلى الاهتمام البالغ حتى تنمو شخصياتهم وتتقوى، وتترسخ القيم والاتجاهات السليمة في عقولهم )...
هل اعتنينا بالطفل ما يجعله إنسانا سويّاً يبني ولا يهدم ؟ أسبقتنا الأمم التي خلت إلى الاهتمام بالطفل أم نحن السابقون؟
يقول المهتمون بشؤون الطفل أن العناية به بدأت قديماً ، بيد أنهم يرون هذه البداية هي الفترة التي سبقت منتصف القرن الثامن عشر بقليل ، لأنها تضمنت أهم المجالات التي أسهمت في بناء شخصية الطفل ، أما أدب الأطفال فهو أدب قديم حديث فقد كانت الأمهات والجدات يقصصن الأساطير والخرافات للأطفال خصوصاً قبل وقت النوم ، وكانت هذه القصص والخرافات تشد من اهتمام الأطفال ، وكثيراً ما يتخيل الطفل بأنه ذلك البطل الجبار القوي الذي يستطيع بضربة واحدة أن يقتل مئة رجل أو يقتلع شجرة ضخمة أو نخلة كبيرة وكثيراً ما كان الأطفال يطلبون من أمهاتهم أو جداتهم الاستمرار في سرد تلك الحكايات حينما تحاول الأمهات أو الجدات التوقف.
وعلى الرغم من أنّ معظم الحضارات والأمم القديمة لم تهتم بتسجيل حياة الطفولة عندها أو آداب أطفالهم لذاتها , والذي وصلنا قليل نادر ، إنما كان متصلاً بعمل من أعمال الكبار ، ولكن من بين تلك الحضارات من اهتم بمثل هذا الأدب ، فالمصريون القدماء سجلوا حياة الأطفال وآدابهم في نقوش وصور على جدران قصورهم وعلى قبورهم ، وكتبوهما على أوراق البردي التي بقيت آلاف السنين ، لتوضح لنا أنّ الأطفال هم الأطفال مهما اختلفت الأزمان.
وقال أفلاطون في جمهوريته عن تربية الأطفال : ( ودار الحوار بين سقراط واريمنتس عن المواد التي تصلح لتربية الأطفال ،ووصل إلى أنّ القصة هي أحسن وسيلة لتهذيبهم بشرط أن تبدأ بالموسيقى أولاً ثم تتبعها القصص)...
أما أول كتاب صمّم خصيصاً للأطفال فقد نشره سنة 1744م جون نيوبري في بريطانيا ، كما خاض عدد من المفكرين في اوربا هذا الميدان إذ كان في مقدمتهم المفكر الفرنسي جان جاك روسو (1712-1778م) الذي قال في كتابه (ايميل) : (دعوا الطفولة تنضج في الأطفال) ، ويعد هذا المفكر أول من ألمح إلى ما يسمى اليوم بعلم نفس الطفل إضافة إلى ذلك وُجدت كتب كثيرة تتوجه إلى الأطفال مثل كتاب (الكياسة) لوليام كاستون و(خرافات ايسوب) و(حكاية الحكايات) لبازيل ، والحكاية الشعبية التي ألفها الأخوان (جريم) ، أما الكاتب الدانماركي (هانس اندرسن) هو من أشهر الكتاب الذين كتبوا للأطفال بالأسلوب الذي يحبونه ، والذي لا يختلف فيه اثنان في انّ مرحلة الطفولة هي أهم مرحلة في بناء شخصيته الإنسان ، لأنها الأساس في هذا المعمار الدقيق ، ومن اجل ان نحصل على طفل بمواصفات ممتازة وبناء معقول فلابد من جهد نبذله مع اهتمام مدروس فالطفل كما يقولون هو ابو الرجل ، فلا نتوقع ان نجني غير ما زرعنا اما أدب الأطفال في الوطن العربي وبعصرنا الحديث فانّ أول من كتب للأطفال العرب هو رفاعة الطهطاوي (1801-1873م) وذلك حينما رأى أن الأطفال في اوربا ينعمون بقراءة أنواع مختلفة من الكتب كتبت خصيصاً لهم ، فقام بترجمة كتاب انجليزي إلى اللغة العربية وهو عبارة عن مجموعة من الحكايات للأطفال وبعد وفاة الطهطاوي جاء الشاعر احمد شوقي الذي هاله هو الآخر في اثناء دراسته بفرنسا ما يزخر به أدب الأطفال الفرنسي من قصص وحكايات وإشعار من الأغاني والقصص الشعرية على ألسنة الطيور والحيوانات ، وكتب احمد شوقي أدباً للأطفال فكان رائداً لأدب الأطفال ولكن مؤرخي الأدب يميلون إلى انّ الرائد الفعلي والحقيقي لأدب الأطفال العربي في العصر الحديث هو كامل كيلاني الذي يعد بحق الأب الشرعي لأدب الأطفال في اللغة العربية وزعيم مدرسة الكاتبين للناشئة في البلاد العربية كلّها،وكتب كامل كيلاني أكثر من مئتي قصة ومسرحية للأطفال كتبها بلغة سهلة وبسيطة مفهومة ترغيباً لهم وتقوية لميولهم ، وبقي يكتب في هذا اللون منذ عام 1927م حتى وفاته عام 1959م وظهرت بعده كتابات وترجمات جميعها كانت في أدب الأطفال ، ومن ثم جاء دور محمد سعيد العريان الذي يعد ايضاً من الرواد الذين أرسوا دعائم أدب الأطفال في الوطن العربي اذ أن جهد العريان أعطى لهذا اللون من الأدب دفعاً قوياً وانتشاراً واسعاً ومشاركة كبيرة من لدن الأدباء والكتاب ، بعدها اهتمت دور النشر العربية بنشر كتب الأطفال .
وترى الباحثة الفرنسية (ازبيل جان) أستاذة أدب الأطفال في جامعة باريس (أنّ وجود أدب الأطفال يفترض ان تكون هناك طفولة ، وهذا يعني انّ هناك كثيراً من الأطفال لا يتمتعون بطفولتهم ولا يُشعَرونَ أبداً بأنهم أطفال ويعاملَون وكأنهم رجال صغار أو نساء صغيرات).
ويقول باحث عربي حول الفكرة : (إنّ هناك كثير من الآباء ينظرون إلى أطفالهم على أنهم رجال صغار أو نساء صغيرات ، وربما تكون هذه النظرة أسوأ ما يسقط فيه الكبار لأنهم لن يستطيعوا بواسطتها أن يقيموا جسراً من التفاهم بينهم وبين صغارهم)...
ويستمر الباحث قائلاً :( الطفل عالم مستقل والطفولة مرحلة مختلفة تماماً عن الشباب والرجولة وقد اكتشف الباحثون والأدباء وعلماء نفس الطفل هذه الحقائق وبدأت مرحلة التعامل على أساسها فقدموا للطفل كثيراً ) .
وهذا يعني أننا يجب أن ننطلق إلى تثقيف الطفل من وعينا لكينونته المستقلة وأن نتوجه اليه ونتعامل معه على أساس لايخدش شعوره ويؤلم اعتزازه بذاته , وإذا قلنا أن تربية الطفل والعناية به في البيت والمدرسة يحتاج إلى دقة فهم ميوله واتجاهاته , وتفكيره وسلوكه , ومشاعره وتخيلاته , فإن مثل هذا الفهم يفترض وجوده لدى الكتاب والأدباء الذين يكتبون اليه , والطفل ذو خيال واسع , مبدع فنان , وهو بطبيعته ميال إلى التقليد , يحب الحركة ويراها في كل الأشياء من حوله , كما أنه مفطور على التفاعل مع بيئته التي يعيش فيها , ويتم تثقيف الطفل من وجوه عديدة وأهمها على الإطلاق ميدان القصة , إذ ثبت أن لهذا الميدان سحراً عجيباً في الأطفال كما قال الدكتور عبد الرزاق جعفر في كتابه (أدب الأطفال) : } إن الأطفال جميعاً دون استثناء سواء عرفوا القراءة أو لم يعرفوها , سواء كانوا أطفال الأمس أو أطفال اليوم , أو الذين يستطيعون شراء الكتب أو كانوا محرومين منها , يستمتعون كلهم بمتابعة القصة { .
إن الكتابة للطفل لها شروطها وأسسها وقبل كل شيء تحتاج إلى الموهبة والاختصاص والرؤيا , ولا أظن كاتبا ينجح في هذا الميدان الشائك دون ان ينمي معرفته نظرياً وعملياً بعالم الطفولة ويعيش بينهم ويسمع منهم ويداري عبثهم وانفلاتاتهم المسلكية , فاقرب الناس إلى الأطفال هم الذين يفهمون مشاعرهم ورغباتهم النفسية ويرصدون اتجاهاتهم الذهنية وتحولاتهم المستمرة من فترة إلى اخرى , وكذلك يوجد دور كبير للأسرة والمدرسة , فإلام الواعية والأب الواعي هما المدرسة الأولى لطفلهما ويقع على عاتقها الدور الأسمى في كشف الغشاوة عن عينيه وتكوين مداركه تكويناً سليماً من خلال مكتسبات معرفية وقيمية عديدة , وحين يتعاون البيت مع المدرسة على صياغة الطفل فهنيئاً لهذا الطفل , ومن اجل رؤية سليمة واطار امثل للإعمال الأدبية الموجهة للأطفال , لابد من وضع أسس نظرية تربوية عربية ترسم تلك الرؤية , يطلب الدكتور عبد الرزاق جعفر من الذين يكتبون للأطفال أن يسالوا أنفسهم دائماً :} من سيقرأ هذه القصة ؟ وما مستواه اللغوي؟ وما ثروته من الألفاظ ؟ وما الأساليب التي عرفها ؟ وهل سيفهم اللغة والأسلوب التي استخدمها ؟ ومن الطريف أنني قرأت قبل أيام عن مكسيم غوركي الكاتب العالمي المشهور واهتمامه بهذا الميدان : إذ أن هذا الكاتب وجه عام 1933 رسالة خاصة للأطفال من إحدى الصحف الروسية وطلب منهم فيها أن يكتبوا إليه ما يرغبون في قراءته , فوصلته آلاف الرسائل تحمل رغبات الأطفال التي يبحث عنها غوركي , فهل كان يحتاج هذا الكاتب الكبير إلى ذلك وهو قد نال من الشهرة كثيراً , علينا أن ننتبه إلى قضية مهمة فعلها غوركي ليبحث من خلال الرسائل التي وصلته ما أشكل عليه من قضايا , أين نحن من هذا التقدم الحاصل عند الغرب في هذا المجال ؟ نحن ما زلنا نحبو في هذا العالم , ونحمل السلم اعتباطاً ونجادل بغير علم , وندرس مادة أدب الأطفال ونحن غير مختصين بها , لا نستفيد من تجارب العالم , لا بل يدعي كثير منا بأنه الأجل مكانة والأكبر قدراً , حري بنا أن نتزود بالمعرفة وان نكون أكثر حذراً ونحن ندخل عالم الطفل , حتى لا نضرهم من حيث نعتقد بأننا ننفعهم , علينا أن لا نزاحم غيرنا ممن يستطيع أن يبدع في تدريس مادة أدب الأطفال بعذر غير مبرر في أنه غير اختصاص ...

Joomla Templates - by Joomlage.com