المناهج الدراسية"أفكار وتصورات لتطورها "

المناهج الدراسية

" أفكار  وتصورات لتطورها "

 الدكتور

باقر الكرباسي

يمتلك النظام التعليمي في العراق تاريخاً ناصعاً حتى نهاية السبعينات برغم كل التناقضات السياسية والتشوهات الفكرية على مر العهود بدءاً بتأسيس الدولة العراقية عام 1921 ،

وكان يشار إلى بنائه المؤسسي اذ يعده الخبراء من أفضل الأنظمة التعليمية في الدول العربية والإسلامية ودليلهم إلى ماوصل إليه عام 1975 فكان في قمة عطائِهِ ...

    انَّ المناهج في العراق لاتواكب التغيرات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في بلدنا الحبيب ولاتعبر بقدر مناسب عن حاجات المجتمع العراقي فضلاً عن أنها لاتتفق مع بعض الاتجاهات المعاصرة في التربية ، وموضوع المناهج الدراسية يُعَدُّ من المرتكزات الأساس لأي نظام تربوي اذ أنها تعكس الفلسفة التربوية وتوجيهات النظام السياسي والاجتماعي للبلد وعن طريقها يتم تنشئة الأجيال في مراحلها المختلفة ، ومادامت كذلك فانّ اغلب التربويين يُعدون المنهج ( لسان التربية ) فضلاً عن دور المعلم الذي لايقل أهمية عن دور المنهج فالمعلم الجيد والمنهج الجيد يخلقان جيلاً واعياً ومتمكناً يستطيع مواجهة الحياة في إطار الأصالة والمعاصرة ، أي انَّ عملية بناء المنهج عملية في غاية الأهمية لان محتوى المنهج يعكس وظيفة المدرسة والغرض من إنشائها وهو الوسيلة المؤثرة في تكوين الجيل الذي نريده ونتمناه ، لهذا نجد بأنَّ هناك حَاجة ملّحة لتحليل العملية التربوية وإعادة تقويم أهدافها من اجل استيعاب متطلبات هذا العصر ومايتضمنه من قضايا ومشكلات مترابطة نتيجة ثورة المعلومات والتقدم العلمي والتكنولوجي والتغير السريع ومانجم عن ذلك من تطورات متلاحقة وتراكم المعرفة وتزايدها بصفة مستمرة وبخاصة التنوع الكبير للمعرفة البشرية .

فمناهجنا لازالت بعيدة كل البعد عن الاتصال بالحياة وحقائقها ، ففي الغرب بل في العالم المتحضر تحديداً تولي الدولة اهتماماً استثنائياً بالأطفال سواء في المدرسة أم في البيت أم خارجها ؟ فما بالنا لانتّبع الخطوات الصحيحة لتربية أطفالنا فننجح ونصل إلى ماوصل إليه الغرب المتحضر .

انَّ مناهجنا الدراسية تعاني التخلف والقِدمَ والتشويه والتزييف في مختلف المواضيع الإنسانية والعلمية والمهنية مما يستدعي وضع خطة شاملة لتحديث المناهج تعكس روح التعاون والتسامح واحترام حقوق الإنسان وسيادة القانون وحرية التعبير عن الرأي وكذلك نؤكد ضرورة تعلم الحاسوب وأعمامه على جميع المدارس وجعله درساً منهجياً في جميع المراحل إضافة إلى تدريس اللغات الأجنبية والاطلاع على ثقافات الشعوب . . .

وموضوع المنهج لايقتصر على محتوى الكتب المدرسية فقط وانما يتضمن مفهوماً شاملاً يخص جميع المعارف والمعلومات والمهارات والأنشطة التي تقدمها المدرسة بإشراف وتوجيه مخطط لتحقيق الأهداف التربوية المنشودة ، وفي ضوء هذا المفهوم فانّ الأنشطة المصاحبة للمنهج لجميع مفاصلها تُعَدّ مكملة لمحتوى الكتب المدرسية ولايمكن إغفالها أو تجاهلها لان تعزيز المعرفة يتطلب التطبيق الفعلي أو الواقعي أو العلمي لتثبيت عملية التعلم ، كما ان بناء المنهج في أية مرحلة يتطلب إسهام من يعنيهم الأمر في قطاعات المجتمع المختلفة الاجتماعية منها والاقتصادية والسياسية فضلاً عن القطاع العلمي التخصصي ، وكذلك يتطلب هذا البناء مراجعة مستمرة في فترات معلومة للوقوف على أهم المستجدات والمستحدثات في المجالين المهني والعلمي وأساليب التدريس والحصول على المعرفة ويتطلب الأمر أيضاً مشاركة الميدانيين الذين ينفذون المنهج واخص المعلمين والمديرين والمشرفين ...

    انَّ البناء الديمقراطي لأية دولة من الدول يعتمد اعتماداً مباشراً على التعليم فبيده عجلة التقدم يقودها حيث يشاء حين تكون إدارته حكيمة مبنية على أسس متينة علمياً ولكنه يحتاج إلى الصبر والعمل والمثابرة ودراسة النظم الديمقراطية الناجحة ومعرفة سر نجاحها كي نستفيد من تجربتها واخذ الصالح الذي لايتعارض مع قيمنا ويتماشى مع إمكاناتنا وظروفنا ، وخطوة خطوة نستطيع ان نحقق مانريد ، ومن اجل إعداد جيل مشبع بالقيم العربية الإسلامية والمبادئ الإنسانية النبيلة نرى ضرورة ان يطلع الطلبة على لمحات من ثقافات الأمم والشعوب المختلفة وانجازاتنا التي قدمناها إلى تلك الأمم في اللغة والأدب والعلوم والفنون ، وكذلك نحتاج إلى منهج يسهم إسهاماً مفيداً في تحقيق رفاء كل من الفرد والجماعة ويستجيب لحاجاتها المعاصرة ونرى ان تتوافر في مناهج اليوم اهتمامات بالعلوم والصناعة والعلاقات الدولية وتامين العدالة الاجتماعية ، ولكي يتمكن النظام التعليمي من تحقيق أهدافه الأساس لابد من إعادة نظر جذرية في مكوناته الثلاثة : المعلم والمناهج والإدارة ، فإذا حققنا ذلك وصلنا إلى متطلبات القرن الحادي والعشرين تربوياً ، ومن اجل ان نَعُدَّ هذا المعلم ونطمئن إلى توصيله المنهج الذي أعددناه له بكل نجاح يقترح التربويون مستلزمات عدة لإعداد هذا المعلم هي :

1-    ان يكون راغباً في مهنة التعليم لأن حبّ المهنة والرغبة في ممارستها من أهم مقومات النجاح فيها .

2-    ان يكون من المستوى الجيد أو المتوسط لان التعليم يحتاج الإنسان الذي يمتلك الثقافة الواسعة والمعرفة الغزيرة .

3-    ان يكون المتقدم لائقاً لهذه المهنة من حيث اللياقة الجسدية والأخلاقية لان مهنة التعليم لايمكن ان يشغلها كل من يريدها .

4-    ان تكون برامج الدراسة في هذه المعاهد أو الكليات بمستوىً جيد .

5-    يحتاج المعلم إلى النمو الثقافي أي مواصلة تأهيله وتطويره أثناء الخدمة ...

وأخيراً يجب فصل سياسة الدولة والأفكار الحزبية عن الدراسة كي تتمتع المؤسسة التعليمية بالاستقلالية الكاملة وتمارس مهماتها التربوية والتعليمية بكفاءة قادرة على صناعة أجيالٍ مختلفة في المجالات والاختصاصات كافة .

Joomla Templates - by Joomlage.com