حديث في حقوق الإنسان

حديث في حقوق الإنسان

 

الدكتور باقر الكرباسي

مرت قبل شهر الذكرى التاسعة والستون للإعلان العالمي لحقوق الإنسان ووثيقة الإعلان هذه هي تعبر عن الأماني والآمال

التي كانت تجيش في صدور الناس ليس فقط ابان الحرب العالمية الثانية وبعدها بل وأيضاً عن الرغبة الأكيدة التي يحس بها الإنسان في كل زمان ومكان للحياة الآمنة الحرة الكريمة - والحديث عن حقوق الإنسان يعطي للكاتب بطاقة دخول إلى ملعب السياسة ولكني سأترك بطاقتي هذه وابتعد عن الملعب لاني اعلم ان بطاقة حمراء تنتظرني- فاخترت حديثاً هذه المرة عن الأدب واتصاله الوثيق بحقوق الإنسان فلو حاولنا ان نسبر أغوار الزمن تلمسا للأصول الأولى لفكرة حقوق الإنسان وبحثاً عن نقطة الانطلاق الفكري في هذا المضمار لوجدنا ذلك مرتبطاً ببدء تظالم الناس فحينما يكون هذا النظام يوجد منطقياً (ظالم)و(مظلوم) ولما كان (الظلم من شيم النفوس) كانت نقطة البدء تلك التي بدأ الناس عندها يعيشون معاً في حياة مشتركة إذ كان الإنسان اجتماعياً بطبعه فكانت نقطة البدء المذكورة هي نفسها نقطة بدء البشرية على هذه الأرض.

ان العلاقة بين الأدب وحقوق الإنسان علاقة جدلية فهي بين نتاجات ثقافية وأفراد ومجتمعات في حركة حضارية ورؤية واسعة تحتوي الفرد وتطلعاته نحو حياة حرة سعيدة ومستقرة تضمن حقه في كامل التعبير عن إرادته وخياراته المستقبلية.

وعند ظهور الإسلام ونزول القرآن الكريم دستوراً انسانياً واسعاً استوعب مطالب الإنسان وضرورات الحياة من المساواة والعدالة والخلق الكريم وما قاله الإمام علي (ع) من أقوال جميلة بهذا الخصوص: منها: (لا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حراً). وقول رائع للإمام جعفر الصادق (ع) نصه (ما قدست أمه لم تأخذ لضعيفها من قويها بحقه ).. وكان للشعراء نصيب كبير في إعطاء هذا الموضوع مكاناً في شعرهم فقال احدهم وهو يصف المصير غير المحمود لمن يأخذ بيد الظالم :

كم أناس في نعيم عمروا

في ذرى مجدٍ تعالى فبسق

سكت الدهر زماناً عنهم

ثم أبكاهم دماً حين نطق

وقال شاعر آخر يدعو إلى ترسيخ علاقات إنسانية متوازنة تشيع فيها الفضيلة والوفاء:

إذا جاريت في خلق دنيئاً

فأنت ومن تجاريه سواءً

رأيت الحر يجتنب المخازي

ويحميه عن الغدر الوفاء

ويأتي شاعر آخر ويضع شروطاً إنسانية في شعره:

اهوى الحياة كريمة لا قيد لا

ارهاب لا استخفاف بالإنسان

فإذا سقطت سقطت احمل عزتي

يغلي دم الأحرار في شرياني

اما الشاعر الكبير المرحوم الجواهري (1897-1997) فقد نادى بصريح العبارة بحرية الفكر والرأي وجاهد طوال حياته من اجل حقوق الإنسان فقد قال:

انا حتفهم ألج البيوت عليهم

اغري الوليد بشتمهم والحاجبا

انا ذا امامك ماثل متجبراً

اطأ الطغاة بشسع نعلي عازبا

وامط في شفتي هزأ ان ارى

عفر الجباة على الحياة تكالبا

اما ما قال الشاعر المرحوم محمد صالح بحر العلوم في قصيدته الذائعة الصيت (أين حقي) لهو دليل كبير على ما يفكر الشعراء تفكيراً صحيحاً يجعلهم قريبين من الشعب.. وفي نهاية حديثي انقل للقارئ الكريم هذا المشهد الذي نقله احد الكتاب وهو يستعرض موضوعاً عن حقوق الإنسان أيضاً إذ كتب: (وقد ترك مشهد أمير اوليان في حضرة ملك فرنسا انطباعاً مؤلما عن اعراض المسؤولين عن الاهتمام بحياة العامة إذ قدم قرصاً من الخبز المصنوع من الحشيش الذي اقتاتت عليه جماهير الفلاحين على مدى عام كامل في وقت كان البلاط غارقاً بمتع الحياة وزخرفها). 

Joomla Templates - by Joomlage.com