الرئيسية / اخبار / موضوعة النقد عند الدكتور عناد غزوان

موضوعة النقد عند الدكتور عناد غزوان

الناقد الدكتور عناد غزوان اسم كبير في الثقافتين العراقية والعربية, أغنى المكتبة العربية بوافر من نتاجه الإبداعي في الفكر والحضارة والتراث والنقد, له أكثر من عشرين مؤلفاً وضعفها من الأبحاث القيمة المقروءة, وفي العقد الستيني من القرن الماضي كانت له صولات وجولات في الدرس النقدي في كلية الفقه آنذاك إلى جانب أساتذة كبار أعطوا ما في جعبتهم من علوم أفادوا بها أجيالاً .. كان ناقداً كبيراً وأديباً يملك أسلوباً رائعاً في كتابته وإنساناً يعرفه الجميع, وكان يدعو إلى التجديد في مناهج الدرس الأدبي في الجامعة إذ يقول )ينبغي أن يعاد النظر في مناهج الدرس الأدبي ولا يعني إعادة النظر مسخ أو مسح التجربة الأدبية القديمة إنما إنضاجها بحيث يتفاعل الدارس مع أحداث عصره وهو يقرأ القديم) ويضيف (رحمه الله) : (يعتمد درس الأدب في الجامعة على الأستاذ الأديب والمنهج الناجح والطالب الأديب وإلّا فان أي خلل في واحد سيؤدي إلى خلل عام بالدرس الذي نسعى لربطه بحياتنا وواقعنا) .
وكان يؤمن بأن الأدب مزيج حضاري بين الفكر والواقع فيقول : (الأدب ظاهرة حضارية بأشكاله وأنواعه تمثل موقف الأديب وفكره في الحياة والواقع وهذا يعني أن أية تجربة أدبية هي مزيج حضاري بين الفكر والواقع) . وعن الأدب الذي نريده يقول : (نريد أدباً رفيعاً يسمو على التقريرية والنثرية والسطحية والهامشية والعبثية, فالأدب يولد من الحياة إلى الحياة وهدفه ليس قضاء فراغ بل هو مصدر شر من مصادر الفكر والحياة) .
كان للناقد الراحل دور كبير في تحديث الدرس النقدي في الجامعة فاستحدثت في زمنه مناهج جديدة منها :
الأدب المقارن والنقد التطبيقي والمذاهب الأدبية الكبرى في العالم ومنهج البحث في اللغة والأدب ودراسة المصطلحات النقدية العالمية في الدراسات العليا.
وعن الإبداع في التجربة الأدبية يقول : (من كونه مزيجاً حضارياً نفهم القيمة الفنية الكامنة وراء تلك التجربة الأدبية, عندئذٍ يغدو الأدب ضرباً من الإبداع تتجسد فيه روح الابتكار والأصالة) .
وعن كيفية ربط قراءتنا للشاعر القديم والشاعر الحديث يقول الدكتور عناد غزوان :
( أدرس الشاعر العربي القديم مثلما أدرس الشاعر العربي الحديث, آخذاً بعين الاعتبار البحث الجاد والنقدي عن الجذور الفنية لهذه التجربة أو تلك, وحين أتحدث عن القراءة العصرية للتراث فهذا لا يختلف عن القراءة التراثية للأدب الحديث, فالقراءتان النقديتان هما مصدر حركة الربط بين التجربتين القديمة والحديثة).
وتحدث الدكتور غزوان أكثر من مرة عن الأزمة الحقيقية في ساحة الأدب العربي والنقدي مع غياب المصطلح النقدي العربي واعتماد نقادنا على مصطلحات مترجمة في النقد فقال : (إذا صح وجود أزمة في النقد فهي ترتبط بمادة النقد أي بالتجربة الأدبية, ناهيك عن اضطراب المصطلح النقدي المعاصر, واضطراب متأتٍ من سوء فهم للأصل الذي جاء منه, فإذا أضفنا إلى هذه الحقيقة حقيقة ثانية : هل الناقد, أو من يسمى نفسه ناقداً معاصراً يفتقد بدوره الخزين التراثي المتطور في هذا المجال فإننا نتوقع هذا الاضطراب في المقالات, تحديداً أو تحليلاً) .
وعن ولادة المصطلحين الأدبي والنقدي يقول الناقد الراحل : (يولد المصطلح الأدبي ومنه النقدي – دائماً كحقيقة علمية, نتيجة وجود ظاهرة أدبية فلا يولد ارتجالاً وإلّا فهو مصطلح وهمي, وإذا شئت ذهني, وحين أتحدث عن ميلاد المصطلح, إنما أتحدث عن ميلاد ما يسمى بخصوصية تلك الظاهرة أي الابتعاد عن التعميم والجنوح نحو الدقة في تحديد أو دراسة أية ظاهرة أدبية) .
وهل جاء المصطلح تلبية لحاجة وضرورة للتعبير الفني عن وعي له رصيده عند الأوربيين مثلاً قال الدكتور : (هو ليس ( إكسسواراً ) تزيينياً, بل هو نتيجة حتمية من نتائج المنهج النقدي في تعامله مع الظاهرة الأدبية التي خلقتها مجموعة عوامل وظروف وصراعات, فإذا أدركنا موقع المصطلح من المنهج بالنسبة للآداب الغربية, استطعنا أن نوازن بين موقع هذا المصطلح واستخدامنا له, فإذا وفقنا في فهمه, وفهم علاقته بين المنهج والظاهرة, نكون قد حققنا تقويماً نقدياً سليماً لأية تجربة أدبية شعرية أو نثرية) .
وقال الدكتور عناد غزوان حول وجود منهج نقدي عربي حديث : (أنا أعني بالمنهج العربي هو المزج بين ما قدمته لنا الحضارة الغربية الأدبية من مناهج والحضارة العربية من مناهج, فأنت مثلاً تقرأ ناقداً يتبنى المنهج النفسي أو النفساني وآخر يتبنى المنهج التاريخي وثالثاً يتبنى التحليلي, أي أنها ليست مستقلة استقلالاً قومياً – اذا صح التعبير أي أن شخصية المنهج النقدي العربي الحديث تبدو باهته الالوان ولكننا نلمس في بعض الأحيان منهجاً نقدياً واضحاً واعني به المنهج التحليلي).
وتحدث الدكتور الراحل عن جهد نقادٍ عراقيين كتبوا في نقد القصة ونقد الشعر قائلاً: (نجد عند الدكتور علي جواد الطاهر تقويماً نقدياً صائباً للفن القصصي في العراق, وكذلك جهد عبد الجبار عباس في كتابه عن السياب والنقد القصصي, هذا مع اختلاف في المنهج, إذ يجنح عبد الجبار عباس إلى النقد الذاتي الوجداني في بعض الأحيان, بينما نجد الدكتور علي عباس علوان في كتابه نقد الشعر يميل إلى الدقة وتحديد التيارات الشعرية والنقدية تحديداً أكاديمياً معتمداً على نصوص) .
وللراحل تصور نقدي كامل عن القصة والشعر كنصوص فيقول : (أنا أنظر إلى الظاهرة على أنها مجموعة نصوص إبداعية فحينما ادرسها أو أنقدها, إنما ينصب درسي ونقدي على ما تحمله من قيم إبداعية وإلا فهي ليست ظاهرة, أما أن يكون المقياس منطقياً فانه يجب أن يكون منطقياً لأن المنطق هنا لا يعني الجدل والاحتجاج, بل يعني ربط تلك الظاهرة بنصوصها وقيمها الإبداعية, وما تقدمه لجمهورها من جهة أخرى, لذلك أقول أن ناقد الشعر يساوي شاعرين أعني التمييز بين من يكتب في هذا الميدان وتحديد شخصية ناقد الشعر بالمعنى العلمي) .
اما رأي الدكتور الراحل بمصطلحي التراث والمعاصرة في مجالات المعرفة المختلفة قال : (التراث والمعاصرة مصطلحان أدبيان نقديان ارتبطا بالفكر الأدبي بمنظوره الحضاري في الثقافة الأدبية لأي مجتمع من المجتمعات الإنسانية, والحديث عن التجربة النقدية العربية هو حديث عن الروابط والعلائق الجدلية القريبة أو البعيدة بين بعدي التراث والمعاصرة بوصفهما قاعدتي الحركة الحضارية المتطورة في هذه التجربة, ومن هنا وجب تحديد ماهية وطبيعة هذين البعدين : تحديداً نقدياً حضارياً وصولاً إلى تقويم أدبي لمظاهر الجدة والإبداع في هذه التجربة من جهة ولمظاهر المحاكاة والتقليد والرتابة من جهة أخرى, فضلاً عن بعض الاجتهادات والفرضيات الفردية قد خلطت بين التراث تقليداً حيناً, وبين التراث والتقليدية حيناً آخر, وقل مثل هذا من الخلط بين المعاصرة والحداثة حيناً وبين المعاصرة والتجديد حيناً آخر, وهو أمر يفرض وجوب تحديد هذين المصطلحين ( التراث والمعاصرة ) دلالة ومنهجاً في سبيل الاهتداء إلى مكان الناقد العربي الحديث بينهما والى معرفة مواقفه منها تمثيلاً وتوازياً وإبداعاً ) .
أما عن المصطلحات الغربية التي دخلت لغتنا العربية والتي يصعب على القارئ فهمها مثل ( ابستمولوجيا ) و ( الانطولوجيا ) و ( المنطلقانية ) و ( التناص) و( اركيولوجيا المعرفة ) و ( تاريخ الجنسانية ) وغير ذلك من الكلمات والتعابير الغربية, قال ناقدنا الراحل : (دخلت اللغة العربية قديماً وحديثاً بعض الألفاظ الأجنبية في ضوء حقيقة تاريخية معروفة ,وهي أن اللغة العربية لغة حضارية ولغة حيه عانقت فكر الإنسان أثراً وتأثيراً ورابطة تاريخية فأثرت في غيرها من لغات العالم حين قدمت لها أكثر من المصطلحات والدلالات العلمية والإنسانية والفكرية, وتأثرت ببعض هذه اللغات حين شاعت في عربيتنا بعض الألفاظ التي أشار إليها علماء لغتنا الأوائل, وبعض من المعاصرين, ولا غرابة في ذلك, فاللغات الحضارية الحية في العالم, تتوازي وتتعاصر وتتآخى من اجل فكر الإنسان والتعبير عنه, شريطة أن لا يصل مثل هذا التأثير أو ذاك إلى مسح الخصوصية الحضارية للغتنا, وهي خصوصية تاريخية ذات جذور قوميه وفكرية وإنسانية عريقة في فكر الإنسان العربي ووجدانه, بيد أننا لاحظنا في الآونة الأخيرة حزباً من ( التغريب اللغوي ) – اذا صح هذا التعبير – وأظنه صحيحاً بدأ يمارسه نفر من أدعياء الثقافة العربية المعاصرة, ومن أدعياء التجديد والانفتاح الحضاري ظناً منهم أن العودة إلى المنبع اللغوي الصافي الأصلي, هو ضرب من الرجوعية والتخلف, فراحوا يسودون مقالاتهم بألفاظ ( معربة ) كالابستمولوجيا وهي في العربية السليمة ( فلسفة المعرفة والمنطق) والاركيولوجيا وهي في العربية (العودة إلى الجذور القديمة أو الأصول الآثارية القديمة للمعرفة واللغة) وقل مثل ذلك عن ( التناص ) وهي لفظة يقصد بها في اصل لغتها الأجنبية ( دراسة النص من الداخل ) أو ( تحليله من الداخل بلا تأثير خارج نطاق النص ), وهكذا ألفنا نحن القراء لغة مكتوبة بحروف عربية ورسم عربي ولكنها ليست عربية, نعم قد يحتاج بعض الباحثين إلى استعمال مصطلح عالمي في أي ميدان من ميادين المعرفة, وهذا أمر طبيعي إلا أنه يصطنع اللغة ويتكلف التعبير حين يهجر على الرغم من معرفته بفصيح الألفاظ العربية إلى غيرها من الألفاظ التي ربما يعتقد صاحبها الذي يستعملها أنه قد بلغ شأواً من الثقافة والعلم لم يبلغه غيره من المثقفين الآخرين) .
وفي لقاء من اللقاءات الممتعة في احد مجالس بغداد الثقافية قال (رحمه الله): (إنني أحترم المثقف الناضج المبدع, واحترم الشاعر الصادق تجربة وتعبيراً, والمترجم الأمين في ترجمته ولغته, والناقد المنهجي الذي يسعى إلى أن يقدم إلى قرائه ما ينفع ويفيد, وليس نقد مجاملات واخوانيات, نريد جديداً ثقافياً ذا صله وعمق ولا نريد أن نكرر ونجتر تجارب غيرنا ونغني بحناجر غير حناجرنا , فالتجربة معلم شاذ يمتحننا قبل أن يعطينا الدرس) …
ما تقدم هو خلاصه آراء المرحوم الناقد الدكتور عناد غزوان النقدية وجدتها مبثوثة هنا وهناك حاولت جمعها وكتابة هذه المقالة عنها ( رحم الله ) الناقد الدكتور عناد غزوان فقد كان إنساناً وعالماً في النقد والأدب …

شاهد أيضاً

اعلان مزايدة علنية

تعلن جامعة الكوفة  / قسم الشؤون الادارية عن اجراء مزايدة علنية لتأجير مكتب الهدايا والقرطاسية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *