الرئيسية / الفعاليات العلمية / مجلة المعارف النجفية للسيد محمد حسن الطالقاني قراءة تحليلية في المقال الافتتاحي

مجلة المعارف النجفية للسيد محمد حسن الطالقاني قراءة تحليلية في المقال الافتتاحي

تؤلف المجلات الثقافية مؤشراً متحركاً في الخط البياني لثقافة كل شعب،فهي اذا كانت تعبّر عن خصوصية هذه الحياة ونبضها وخياراتها وقدرتها على التواصل مع تراثها وحاضرها ، ومع ثقافات كل الشعوب الأخرى في العالم ، فلا شك أنها تحقق طموحات الكتّاب والقراء في تطور حياتهم ، ولا يمكن الحديث عن ظاهرة المجلات الثقافية ودورها في الوعي عند الجماهير دون الإلماح إلى الظروف التاريخية التي ساعدت على بروز مثل هذه الظاهرة ، ففي العصر الحديث ومنذ نهاية القرن الثامن عشر الميلادي أصبحت النجف مركزاً مزدهراً للحوار الفكري ومحجة لطلاب العلم والمعرفة من أصقاع العالم الإسلامي كافة ، وكونها مصدر جذب للعلماء والمفكرين وفيها نبغوا ، فإنَّ المدينة بمكتباتها ومتاجر الكتب فيها ونقاشاتها وحلقاتها الأدبية صارت مع الزمن للعديد من الطلاب والشباب المكان الذي اكتشفوا فيه أفقاً ثقافياً للنهضة العربية الموجودة ، ومفكريها من إسلاميين ومجددين –علمانيين ويساريين- يتجسد ذلك في نتاجاتهم الشعرية والأدبية والفكرية ،فقد كان الشعر وقراءته سمير جلساتهم فضلاً عن إدخال المطابع إلى المدينة أدى إلى زيارة النتاج الأدبي ، فظهرت تبعاً لذلك الصحف والدوريات وأصبحت أداة رئيسة لنشر الفكر والمعرفة ،ومن جهة أخرى كان لقيام ثورة أكتوبر الاشتراكية عام 1917 أثرها الكبير ، فقد بدأت ثورة المعرفة ودخلت الأفكار الاشتراكية إلى الدول العربية ومنها العراق فتناولها العراقيون بشغف وفهموها فهماً صحيحاً ، وكذلك وصول بعض المجلات والكتب من لبنان وسوريا ومصر إلى العراق حاملة بعض الأفكار التنويرية مثل مجلة العرفان لأحمد عارف الزين والهلال لجرجي زيدان والعصور الاشتراكية لإسماعيل مظهر والمقتطف ،كل ذلك كان له اثر كبير في تأليف المنظومة المعرفية للشباب النجفي المحتضر وكسر أطواق الجمود عنده ،وليس غريباً على النجف فمن هذه المدينة خرج قادة الأحزاب ومنهم قادة الحزب الشيوعي العراقي ، وليس غريباً عليها ايضاً قيادتها لواء التجديد والإصلاح والتنوير ، وكذلك خرج منها مبدعون ومفكرون وأدباء كبار …
ففي ثلاثيناتوأربعينات القرن الماضي عاشت هذه المدينة مخاضاً سياسياً قاوم فيه الشباب النجفي المستعمر البريطاني ومن عمل معه كي يوصل البلد إلى الهاوية،فكانت الخمسينات وبالذات عام 1958 عام الاستقلال والحرية والديمقراطية الحقيقية للعراق ،فبعد هذه الثورة المباركة أصبح العراقيون يقولون ما عندهم بكل صراحة وأمام الجميع اذ فجّر أبناء العراق الغيارى ثورة 14 تموز المباركة بقيادة الزعيم الشهيد عبد الكريم قاسم فتغير الوضع في العراق فأصبح للكلمة موقف ورأي وللصحافة دور في نشر الوعي لدى أبناء الشعب العراقي .. وتأسيساً على ذلك فإنَّ مثقفي النجف أصبحوا قادرين على إصدار الصحف التي تعبّر عن آرائهم وتوجهاتهم،وكان للسيد محمد حسن الطالقاني قرار في ذلك عندما اصدر مجلة (المعارف) والتي كتب على غلاف العدد الأول منها – والذي صدر في تشرين الثاني عام 1958 – المعارف تعنى بالعلم والأدب والتاريخ والاجتماع ، صاحبها ورئيس تحريرها محمد حسن آل الطالقاني /المطبعة الحيدرية / النجف … وكان السيد الطالقاني يكتب افتتاحية كل عددٍ مع موضوع آخر أو قصيدة شعر ، ولعل أهمية الحديث عن مجلة المعارف وصاحبها السيد الطالقاني يكمن في انه يكشف الستار عن ولادة مقالات افتتاحية جديدة أخذت تشق طريقها إلى القراء في ذلك الوقت الذي كان فيه العراقيون بحاجة ماسة إلى مثل هكذا كتابات .
فيقول السيد الطالقاني في افتتاحية العدد الأول من مجلته المعارف تحت عنوان (أهدافنا) : (بديهي ان الصحافة رسالة إنسانية لا تقل أهمية عن سائر الرسالات الأخرى ،فقد لعبت دوراً هامّاً على مسرح الحياة الفكرية ،وواكبت تطورات العالم السياسية والثقافية حتى تسنمت مكانتها الرفيعة بين الأمم وأصبحت جزءاً من حياتها ودعامة من دعائم الحكومات ،بل كادت تصبح سلطة رابعة في الدول مع السلطات القانونية الثلاث ولعلها نعتت من اجل ذلك بصاحبة الجلالة)
حديث السيد الطالقاني الذي تقدم ينم عن دراية دقيقة لمهنة الصحافة ومكانتها التي يجب أن تكون عليها ، ويستمر صاحب المعارف في مقاله الافتتاحي اذ يقول : (ولا غرابة في ذلك فهي لسان الشعب المعبر عن رغباته وحاجاته ، والناطق بما تمليه عليه ظروفه وأحواله ،فنجدها تارة تقوم بدور المعلم الحكيم ، وأخرى بدور الخطيب الثائر وهي في كل حال مستقلة متحررة لا تعرف القيود والأغلال …) وهذه فقرة مهمة في المقال الافتتاحي يريد بها يجب ان تكون صحافة ما بعد الثورة المباركة مستقلة متحررة بعيدة عن القيد والإلزام الحكومي ، ويكتب السيد في مقاله هذا بعض المقترحات حول قضية الصحافة وأداء رسالتها ، ويقرر السيد الطالقاني إصدار المجلة فيقول : (وعندما حاولت الشروع في العمل وجدت نفسي امام ظلام دامس لا يقطع بسلام ، وفي وسط معمعة لا يهتدي المصلح فيها إلى طريق يصل منه إلى الهدف ، أفتسير المجلة على خطة إصلاحية وتتجه إلى معالجة أمراض المجتمع ونوري السعيد وطغمته لها بالمرصاد ؟ أم تجري مع التيار الجارف فتزيد الطين بلّه وتساير الوضع بالاتحاد المزيف كما رحبت به غيرها وتساند الاستعمار كما ساندته ساير الصحف ؟)
ومن هذا نعلم ان السيد الطالقاني كان ينوي إصدار مجلة منذ ذلك الوقت ولكن الذي أوقفه هي وطنيته الحقة ….
اما الفقرة الأخرى المهمة في مقاله الافتتاحي هذا هي 🙁 والآن وقد تقدمت إلى ميدان العمل وكلي ثقة بالله وأملي وطيد بمؤازرة العلماء والأدباء وارباب الفكر والقلم ، ومن رافعي ألوية الفضل وحاملي مشاعل النهضة الأدبية راجياً التوفيق للسير المستقيم نحو الهدف المنشود بخطىً واسعة جريئة ، معلناً للقراء قبل كل شيء أنّ المعارف منبر حر لعرض الآراء القيمة ووجهات النظر الحكيمة فقد تطور الزمن واتسع مجال الفكر ،فحرام علينا بعد اليوم تصفيد الأفكار بأغلال من الآراء التقليدية ، فهذه المجلة بين أيدي رجال الإصلاح وأرباب العمل الإرشادي وليس عليهم الاّ مد يد المساعدة إليها في توجيهها نحو الصالح العام) وهكذا قرر السيد إصدار مجلته وفيها ما وضحه وما يريده ، يرغب بالإصلاح وعدم تقييد الكاتب فيها لأنها مثلما يقول منبر حر لعرض جميع الآراء والأفكار ، ويوضح السيد الطالقاني ايضاً انّ ابرز آفاتنا التي تعيقنا عن ذلك العطاء اننا نتحدث أكثر مما نعمل واننا نعجب بالأشياء الجميلة والتاريخ المجيد لكننا لا نترجم الإعجاب إلى بحث جاد في منابع ذلك الجمال ، وفي مقال افتتاحي آخر يقول صاحب المعارف : (انّ الثورات – دائماً- مفتقرة إلى تعزيز ومعاضدة ، بل إلى إتقان وتضحية والشعب الحر يستطيع ان يعزز ثورته ويحافظ عليها دون خسارة ودون ان يضحي بعزيز أو غالٍ ، وذلك عن طريق جمع الكلمة وعدم الاختلاف فتوحيد الصف أكبر عامل من عوامل الصيانة والحفاظ كما ان الاختلاف أخطر عامل من عوامل الهدم والتخريب ).. فمنذ ذلك الوقت وصاحب المعارف يتحدث عن وحدة الصف والمحافظة على المواطنة والإخلاص للوطن .. وفي مقال افتتاحي آخر عنوانه (رجال الدين والتعليم) يقول فيه : (انني اعرف ما يعاني هؤلاء جيداً فلنكن واقعيين والحالة معروفة مكشوفة ، فطلاب المدارس الدينية في العتبات المقدسة لايجدون ما يسد حاجاتهم ويحفظ كرامتهم بين الناس وانه لمن الظلم الفاحش ان يطلب إلى الطالب دراسة العلوم والتخصص فيها وهو لا يملك قوت يومِهِ وحائر في كسائِهِ وجاهل مصيره).
ان الذي تقدم من حديث كان صريحاً وفيه جرأة كبيرة ومثله فعل آخرون حينما أرادواالإصلاح لهذه المؤسسة ، ويستمر السيد الطالقاني صاحب المعارف في مقالِهِ قائلاً:
(ومما يؤسف له انّ المدرسة الدينية رغم ما فيها من متاعب ومشاق تحملّها الذين استطاعوا مغالبة الحياة والنفس ، ظلت في مؤخرة الركب تتعثر في سبل ملتوية وقصرت في واجبها بما يتحتم عليها إزاء نفسها وإزاء المجتمع ، فلم تساير نظمالحياة الحاضرة مسايرة تضمن لها البقاء أو تؤهلها للتفوق والانتصار على ما يحدث من آراء ويجد من معتقدات ولذلك استفز طلابها ما يستفز الإنسان المفكر حيث وجدوا أنفسهم تجاه الأمر الواقع ورأوا انّ العالم يقطع شوطه بسرعة البرق وهم هم حيث كانوا لا يتقدمون خطوة الاّ ليرجعوا خطوات )00
والحديث الذي تقدم واضح جداً فقد حملّه هذا الكلام الجرئ كثيراً في حياته وما فعلته المؤسسة الدينية معه .
وفي افتتاحية أخرى لعدد من أعداد مجلته عنوانها : (النجف وموقف علمائها من الاستعمار ) يؤكد فيها :
(ان لمدينة النجف المقدسة إلى جانب تاريخها العلمي المجيد تاريخ وطني حافل بالبطولة والتضحية فهي من معاقل الأحرار ومدن الحرية والنضال ، وقد كانت لرجالها ومفكريها ثورات إصلاحية ومواقف مشرفة أقضت مضجع الاستعمار غير مرة )… وأضاف :(وقد كان لعلماء الدين في النجف قبل الثورة وبعدها مواقف مشرفة ،فقد وقفوا مع الشعب العراقي جنباً إلى جنب وقادوه قيادة حكيمة وكافحوا الاستعمار البريطاني بكل قواهم وضحوا بأنفسهم وأولادهموأموالهم في سبيل الحرية والاستقلال )..
وفيه يوضح صاحب المعارف ما للنجف وعلمائها من دور مهم في إرساء الاستقرار والطمأنينة عند الشعب العراقي وما فعلوه قبل ثورة العشرين وفي إثنائها وبعدها … وانتقل إلى مقالٍ افتتاحي آخر عنوانه (مشكلة الصحافة الأدبية في العراق وجهاد المعارف ) ويقول فيه 🙁 لقد ولدت المعارف في ظرف كانت سيئاتهأكثر من حسناته وكانت تدرك كل ما يدور حولها وتتوقع كل ما حدث لها )
أي انّ المجلة وتوجهها الوطني الخالص وصاحبها أيضاً جعل الآخرين أنْ يقفوا ضدها ويعيقوا مسيرتها ولكنها ظلت قوية بإرادة صاحبها ومن آزره على الثبات فيقول صاحب المجلة : (اجل ان إرادة الشعب فوق كل إرادة ،إرادة لا تقهرها أيةإرادة وقوة لا تقف دونها أية قوة ولا يرهقها أي طغيان وللشعب كلمته التي لا ترد فهو اذا قال فعل واذا ضرب قصم ….)
وفي افتتاحية أخرى لعدد من إعداد المجلة عنوانها (النظام الجمهوري وميزاته) قال فيها : (نَشَد الإنسان لنفسِهِ الحرية المطلقة منذ خلق فكانت لدى الإنسان الأول كما أراد ، ولكنها لما كانت مطلقة من كل قيد وواسعة إلى أبعد مدى أخذت تصطدم بحرياتهم لآخرين شيئاً فشيئاً ومن هنا نشأت فكرة إيجاد نوع من النظام يكفل لكل ذي حق حقه دون مساس بحقوق الآخرين وحرياتهم فنظم الإنسان حياته في الأسرة ،ثم في القبيلة ،ثم في الأمة بحيث يحتفظ بحرياته دون عدوانٍ على الآخرين) … ان ما تقدم من كلام لهو رائع وجميل ويدخل القلب من دون استئذان اذ يوضح صاحبه قضية احترام الإنسان لأخيه الإنسان وعدم الاعتداء عليه لأنه يخالفه الرأي ولكل فرد من أفراد هذا الشعب حريته وحقوقه المحفوظة وهي ما اختطته ثورة 14 تموز لنفسها ووضعته هدفاً لمبادئ الحرية والديمقراطية من اجل ان تعمل على تحقيقها لحياة أفضل لهذا الشعب الذي عانى وعانى … ثم يستمر في هذا المقال الافتتاحي المهم قائلاً : (والنظام الجمهوري هو الحق البديهي والنظام الطبيعي لكل مجتمع وهو غير محتاج إلى مدح وتعريف فمن حق كل شعب ان يختار رئيسه وحاكمه ورمز كيانه ،كما ان له الحق في سحب الثقة من رئيسه متى انحرف وافسد وخان مصلحة الشعب)… هذا كل ما يريده صاحب المعارف من النظام الجمهوري اذ ان مزيات هذا النظام تجعل العراقيين يعيشون برفاء كبير …
ما قدمته هو إطلالة متواضعة على ما كتبه السيد محمد حسن آل الطالقاني في افتتاحيات إعداد مجلته (المعارف)، اذا انّ هذه المجلة أثبتت وبالرغم من عمرها القصير دورها البارز في التظاهرات الثقافية في ذلك الوقت وفعالية حضورها وقيمته في الحياة الثقافية ، وذلك بالوقوف ضد المصادرات المسبقة لأي فكر متجدد يعتمد البحث العلمي وضد كل مصادرة لحرية الاجتهاد وإبداء الرأي في سبيل الوصولإلى الحقيقة…
كما وقفت ( المعارف) ضد كل فكر متعالٍ مفروض على الواقع , رافضة كل وصاية فارغة المحتوى من جانب من يقدم نفسه صاحب الحق الوحيد في إبداء الرأي والذي يرى الجميع بأنهم على خطأ ..
ان ما ينقص حياتنا الثقافية في ذلك الزمن الرديء الذي تغلف غيومه السوداء حياتنا هو (الاطروحة ) الوطنية الحقيقية وبعبارة أخرى المشروع الوطني الذي يمكن ان يستعيد عافية الفكر والثقافة , وقد جاهدت (المعارف ) في الكشف المتواصل لكل زيف أو ادعاء يغلف الأحداث ويخفي مدلولاتها وجوهرها من أعين القراء ..
وكذلك كانت (المعارف ) تسعى سعيا حثيثا لتمزيق أقنعه الدجل والكذب والزيف الذي تجابه به الإحداث , لقد كانت حفاوة قراء المعارف شيئاً رائعاً يثير في النفس الحماس على مواصلة العمل والثبات في وجه جميع العقبات .
اما صاحب المجلة السيد المرحوم محمد حسن آل الطالقاني .
– وسأستعير ما كتبه الدكتور كامل سلمان الجبوري في كتابة أدب التاريخ في شعر السيد الطالقاني اذ قال –
(فقد كان إلى جانب علمه وأدبه وفضله الغزير وخبرته الواسعة شخصية محبوبة محترمة من مختلف الطبقات لأنهإنسان فاضل الخلق حسن الملتقى جميل العشرة يتواضع لجميع الناس ويحترم الكبير ويحنو على الصغير وله في خصوص خدمة الفقراء والعطف على المستضعفين والاستجابة إلى طلب أصحاب الحاجات مواقف لا تعد وميراث لا تحصى ويعرف المقربون منه ماله في هذا المجال …

شاهد أيضاً

اعلان مزايدة علنية

تعلن جامعة الكوفة  / قسم الشؤون الادارية عن اجراء مزايدة علنية لتأجير مكتب الهدايا والقرطاسية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *